الشيخ محمد الصادقي الطهراني
356
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وترى كيف يجيب عن « ضَلالٍ مُبِينٍ » ب « لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ » دون « ضَلالٍ مُبِينٍ » نفسه سلبا لما أثبتوه ؟ علّه يعني ب « ضلالة » كل أنواعها لا فقط « ضَلالٍ مُبِينٍ » ف « لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ » من مبين وغير مبين . « أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي » دونما زيادة أو نقصان ، وقد يعني جمع « رسالات » دون « رسالة » الجمعية الرسالية ، في جمعية الأصول والفروع الأحكامية ، فان كل زاوية من زوايا الرسالة هي رسالة ، مهما كانت مجموعها أيضا رسالة ، « وَأَنْصَحُ لَكُمْ » لصالحكم « وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ » رسالة « ما لاتَعْلَمُونَ » منفصلين عن رسالة اللّه . فقد اختصرت واحتصرت رسالة نوح عليه السلام في مثلث هو هندسة لصرح الرسالات كلها : 1 ( أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي » تبليغا بليغا بالحجج الربانية الكافية الوافية . 2 ( وَأَنْصَحُ لَكُمْ » نضجا لبراهين الرسالة وفرامينها في قلوب بذلك النصح الرسولي الغالي ، فللنصح دور دائر لكل حائر تبقى حيرته لحدّ ما بعد ساطع البراهين الآفاقية والأنفسية ، وحقيقة النصح هي الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية . 3 ( وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لاتَعْلَمُونَ » وذلك لزامه الوحي فإن « ما لاتَعْلَمُونَ » تحلق على كل أسباب العلم ومسبباتها ، فالعلوم المنقطعة عن منقطع الوحي حاصلة لي من اللّه بالوحي ، انقطاعا إلى الوحي . فهذه الثلاث و « أوعجبتم . . » هي قواعد أربع لصرح الرسالة الربانية ، إجابة عن شطحات ك « إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » رؤية عوراء حمقاء ترى من يدعو إلى الهدى في ضلال مبين ، والواو العاطفة هنا تعطف إلى محذوف معروف في درج الكلام وهو سائر أسباب العجاب . وهكذا يبلغ المتعرف في الضلال في تبجحه الوقح المرح في انقلاب الموازين والضوابط . وهذا ما يتقوله ضلّال التاريخ منذ بدءه إلى جاهلية القرن العشرين أنهم أنفسهم متقدمون متحضرون على رعناتهم وحيوناتهم اللّامحدودة ، ثم المؤمنون متأخرون رجعيون